اشكالية مصطلح الأدب النسوي بين الرفض والقبول

الرابط المختصرhttps://wp.me/paGRK5-uVO

اشكالية مصطلح الأدب النسوي بين الرفض والقبول

Linkedin
Google plus
whatsapp
يوليو 15, 2020 | 7:38 ص
0

سماح خليفة
معاناة المرأة بشكل عام عبر العصور حقيقة ثابتة لكل قارئ متابع لشؤون المرأة، معايش لها حقيقة أو مجازا، منذ أن كانت عبدة تابعة للرجل وسببا للوباء والموت والجحيم في حضارات اليونان، فيقتضي حرقها وقتلها كما شرعت الهند القديمة، إلى أن أصبحت نذير شؤم في جزيرة العرب يستدعي وأدها، إلى أن أنصفها الإسلام وقهرها المتأسلمون، من ثم تداولَها الرجل كمادة للبحث في العصور الوسطى باعتبارها إنسانة أو هي رجس من عمل الشيطان وجب لجمها، حتى استدعى شأن المرأة وإشكالية وجودها عقد المؤتمرات والندوات في العالم لفك هذا “الطلسم” الذي أرّق الرجل وقض مضجعه قرونا!
تشرّب هذا القهر الممارس على المرأة والمتراكم عبر التاريخ بتجارب نسائية طافحة بالظلم إلى جانب الوعي بمرارة التجربة في كل مرحلة، التجربة التي انتهكت خصوصيتها وفكرها وذاتها، مما استدعى تحررها من ثقافة الخنوع والاستسلام وكسر قيود الرجل والمجتمع والعادات والتقاليد البالية، فلم تجد المرأة وسيلة لنقل تجاربها المشبعة بالظلم إلى العالم والتعبير عن حجم مأساتها، أنجع من الكتابة. إلا أن سطوة الرجل المستمرة وموقفه مما تكتبه المرأة باعتبارها ليست إلا انفعالات آنية وشجب واستنكار ودموع حتّم على المرأة خلق صورة لا نمطية جديدة من خلال الكتابة الإبداعية؛ لتدعم قضية المرأة وتشرعها وتجبر المحيط على الاعتراف بقضية الإبداع النسوي في عالم الأدب الذي كان حكرا على الرجل. ومن هنا كان الدافع لظهور الحركات النسوية التي تسعى لتحقيق المساواة الإبداعية تحت سقف هيمنة الرجل على كتابة المرأة، لتبقى إشكالية المصطلح تدور في فلك الشرعية بين “الأدب النسوي” “الأدب النسائي” “الأدب الأنثوي” وغيرها من المصطلحات التي شغلت النقاد، إلى أن اتفق الغرب من خلال مؤتمر باريس عام 1892 على مصطلح “الأدب النسوي” على أنه الأكثر تعبيرا عن إيمان المرأة بحقوقها وسيادتها ككائن ناضج كامل الإدراك والوعي يستحق أن يحظى بأدب يميزه عن غيره ويعبر عن هويته وقضاياه وحقوقه الضائعة، وهذا ما كان عليه الأدب النسوي. ومن هنا ظهرت اتجاهات وتيارات نقدية متباينة لأدب المرأة وإبداعها في الشرق والغرب ما بين الرفض والقبول والتهميش والدعم.
تشاركت المرأة العربية كما الغربية في نفس ظروف القهر والتهميش الذكوري إلى حد ما، إلا أن المرأة العربية تعرّضت لثلاثة عوامل كانت سببا في نهضتها واستيقاظها والنضال من أجل إثبات ذاتها وهويتها المسلوبة، فكان كبير الأثر للتيار الغربي المتمثل في الحركة النسوية العالمية في السبعينيات، إلى جانب تولد الوعي لدى النساء في حينه بأوضاعهن الاجتماعية والجنسية، إضافة لبروز تيار الإصلاح في المجتمعات العربية والذي كان له دور فعال في تشكل وعي المرأة على الصعيد الاجتماعي والثقافي.
وكان للمصطلح الذي عبر عن إبداع المرأة (الأدب النسائي/الأدب النسوي/الأدب الأنثوي) الأثر في ظهور اتجاهات وتيارات في الشرق والغرب، بعضها مناهض وبعضها مؤيد، وبعضها بين بين، وقد خاض في ذلك العديد من الناقدات العربيات أمثال: زهرة الجلاصي ونازك الأعرجي وشيرين أبو النجا ورشيدة بن مسعود ونعيمة المدغيري وغيرهن.
في مصطلح “الأدب النسائي” يرى بعضهم أنه مرتبط بالجنس البيولوجي، وهو ذلك الأدب الصادر عن جنس المرأة والذي يتناول قضاياها وقضايا الرجل وقضايا أخرى في المجتمع، وهو ما ذهب إليه الناقد عامر رضا. بينما بعضهم الآخر أمثال الناقدة هند محمود يرى أن “النسائية” أو الفكر النسائي هو ذلك الفكر الذي يدافع عن شؤون المرأة وقضاياها، لتغيير أوضاعها وتحريرها من سطوة المجتمع الذكوري الأبوي، فيما ترى الناقدة رفقة محمد دودين أن المصطلح يعد ضربا من الممارسة السياسية التي تهدف إلى تغيير علاقات القوة والسلطة القائمة بين الرجال والنساء في المجتمع.
أما “الأدب النسوي” فيعتبر أكثر دلالة على خصوصية ما تكتبه المرأة في مقابل ما يكتبه الرجل، حيث ترى الناقدة سارة جامبل أن مصطلح النسوية يوحي بمعاملة المرأة لا لكونها امرأة جسد وإنما تفكير، بعيدا عن الرؤية السلبية من طرف الرجل. بينما الناقد أحمد عمرو في كتابه “النسوية من الراديكالية حتى الإسلامية” يذهب إلى أن مصطلح النسوية يسعى لإزالة التمييز الجنسي في شتى مناحي الحياة.
وبالتالي تجد الكاتبة أن من أيّد الكتابة “النسائية” أو”النسوية” من النقاد يجدون خصوصية لكتابة المرأة تجعلها مختلفة عن الرجل. ومنهم من فصل بين الطريقتين في الكتابة بشكل عام أمثال الناقد حسين مناصرة في كتابه “النسوية في الثقافة والإبداع” حيث يرى أن المرأة أقدم وأغزر وأصدق في التعبير، وأنه مهما كتب الرجل عن المرأة، فإنه لا يستطيع توصيل رسالتها، ذلك أن المرأة تكتب بعاطفتها والرجل يكتب بعقله ومنطقه. وأما من فصلهما بشكل خاص فقد أرجع ذلك إلى خصوصية الكتابة النسوية بحكم الظروف الخاصة بالمرأة. ويرى بعض الأدباء من أمثال زهور كرام أن خصوصية الكتابة النسوية ترجع إلى الظروف الخاصة بالمرأة، وهذا ما تؤكده أيضا نازك الأعرجي في كتابها “صوت الأنثى”.
وأما مصطلح “الأدب الأنثوي” تجد الكاتبة أن هناك من ربط مصطلح الأنوثة بمسألة الاختلاف الجنسي بين الذكر والأنثى وبالتالي ربطها بالفروق البيولوجية ولخصها بمنظور سلبي على أنها ليست سوى رحم يلخص هذا الموقف الذي يقلل من أهمية التكيف الاجتماعي، بينما بعضهم الآخر مثل رفقة محمد دودين ترى أن هذا الاختلاف البيولوجي بين الجنسين ميّز الأنثى بجسدها الذي هو مصدر فخر واعتزاز لها. وهناك من أمثال الناقد يوسف وغليسي من رأى أن مصطلح الأنوثة يحيل إلى الضعف والاستلاب، ولذلك كان سمة الكمال الناقص، على عكس الناقدة التونسية زهرة الجلاصي التي تفضل مصطلح “النص المؤنث” لكون النص المؤنث يستند إلى قوانين التفريق الجنسي بين ما تتميز به المرأة من كتابة مقابل ما يتميز به الرجل، لا على أساس التمييز بين الجنسين، ويتفق كذلك مع رأي زهرة الناقد محمد جلاء إدريس.
ولكن هناك من خالف زهرة الجلاصي ومحمد إدريس ورفض مصطلح “النص المؤنث” مثل الناقدة العراقية “نازك الأعرجي” لأن لفظ الأنثى يستدعي الوظيفة الجنسية ويوحي بالرقة والضعف والاستلاب ولذلك تدعو إلى مصطلح “الكتابة النسوية” باعتباره الشامل لطرح قضايا المرأة ومحيطها.
بينما فضلت الناقدة زهور كرام مصطلح “الكتابة أو الإبداع النسائي” الذي يحيل إلى خطاب المرأة الذي احتكره الرجل منذ زمن طويل. وبالتالي نجد أغلب الكتاب والنقاد يفضلون مصطلح “الأدب النسوي” أو “الأدب النسائي” على “الأدب الأنثوي”.
وأما الكاتبات الروائيات العربيات أنفسهن فهناك من عارض هذا التصنيف؛ فقد رفضت معظم الكاتبات هذا المصطلح خوفا من التصنيف الدوني وسيطرة الرجال على الإبداع الأدبي، فمثلا رفضت لطيفة الزيات في مطلع الستينات أن تدرج في قائمة الأدب النسوي خوفا من احتقار ما تكتبه من قبل الوعي النقدي الذكوري، وهناك من رفض الفصل بين الكتابة النسوية وكتابة الرجل من منظور أنه يحط من قيمة المرأة ويؤدي إلى تهميش إبداعها وعلى رأسهن أحلام مستغانمي وسلمى الخضراء الجيوسي التي أكدت على أن قيمة الأديب بما يكتب وليس بجنسه ذكرا أو أنثى، وأيدتها في ذلك غادة السمان وخنانة بنوتة.
ورغم موقف النقاد والكتاب المؤيد للمصطلح الذي يصنف إبداع المرأة الكاتبة والذي يدعو إلى إبراز خصوصية الكتابة النسائية، والذي يُدرِج ذلك تحت مشروع تحرر المرأة من التصورات السائدة التي تهمشها، فتُحوّلُها بهذا المصطلح إلى عنصر مركزي فعال من خلال الكتابة الإبداعية، إلا أن الكاتبة ترى عكس ذلك تماما، فتحجيم إبداع المرأة تحت مسمى يفصلها عن إبداع الرجل أو إبداع أي شريحة، فيه تناقض مع دعوة التحرر ذاتها والمساواة مع الرجل؛ فكيف تدعو المرأة بالعدل والمساواة مع الرجل وبالمقابل تطالب بالتحيز لإبداعها ضمن مصطلح يميزها عن إبداع الرجل، إذن كان حَريا بها أن تطالب بفرض مصطلح “الأدب الرجالي” او “الأدب الذكوري” وتطالب بنقد واف شاف متتبع لمسيرة الجنسين للخروج بنتيجة مفادها إما تميز الأدب الأنثوي عن الذكوري أو العكس، وإما أن ترفض مصطلح الأدب “النسائي أو النسوي أو الأنثوي” أو أي كان وتطالب بالحكم على العمل الإبداعي بمعزل عن جنسه، هكذا تكون قد مثلت نضج المرأة الواعية وإبداعها وتميزها الذي سيشهد له التاريخ كموقف لا يتجزأ ولا يتغير.
الكاتبة والشاعرة سماح خليفة
“من شعراء أدباء بلاد الشام”

شارك هذا الموضوع
مكة المكرمة